Nour Heroes
الزمن له ثمن

قصة: هجرة الصاوي
رسوم: أدهم فواز

 

كل السيارات تسير في الشارع ماعدا سيارة وليد، فهي تزحف. ولها الحق أن تتعب، فهي تعمل منذ أوائل الثلاثينيات.  والأسوأ من هذا كله أنها توصل وليد للمدرسة . قبل أن تدخل شارع المدرسة، كان يصل صوتها للبوابة .. كررررآآززززر..كرررآآآكرررر. فينزل وليد خجلاً وسط مزاح زملائه.
  :هل خرجت قبل الفجر؟  
  :هل نحضر لها طبيباً؟
  : لا انتظر حتى يربطها في عمود الإنارة!هاهاها.
نفذ صبر وليد ، فطلب من صديقه شيئاً ورجاه ألا يرفض: هشام ..أريدك أن تمر ّ علّيَّ كل صباح وتصحبني على الدراجة. وافق هشام واستراح وليد .. وأصبح كل يوم ينتظر صديقه بفارغ الصبر لينزل مسرعاً ويركب معه . 
في الطريق سأله هشام : لماذا لا يتخلص والدك من تلك السيارة العتيقة ؟
تذكر وليد مشكلته وقال: لأنها عزيزة على قلبه.. يقول إن بها رائحة جده. مع أني عندما أركبها أشم رائحة دخان.    

حتى جاء ذاك اليوم .. حين أطل وليد من النافذة فرأى أشخاصًا يدورون حول السيارة . ينحنون ويتفحصونها . جرى يخبر والده . لم تمض لحظات حتى رن جرس الباب وكانوا هم. جلسوا يتشاورون مع والده وعرضوا عليه شراءها بثمن غالٍ.
لم يصدق وليد أذنيه وانزلقت الجملة من فمه:  معقول كل هذا المبلغ في تلك الخردة.
قال الرجل: إنها تحفة . والزمن له ثمن والأشياء القديمة لها قيمة، سندخل بها المعرض الدولي للسيارات القديمة فى المانيا. 
انصرف الضيوف و تركوا رقم الهاتف .. والفرحة.. وبعض الحزن.
فرح وليد وقفز صائحا ًيحتضن أباه: هيـيه.. نستطيع شراء سيارة ذات دفع رباعي  نسافر بها ونتنزه .. شكراً يا أبي أنت أحسن أب في الدنيا. 
 نهض الأب قائلاً: أنا لم أقرر بعد ، إنها عزيزة على قلبي وجزء من العائلة. 
لكن وليد كان قد قرر. راح يزنٌّ مثل النحلة الطنانة ويذكره بمخالفات المرور ويحسب له المبالغ التي صرفت على إصلاحها و يعيد عبارات السخرية التي يسمعها، ويصف  تعاسته عندما يركبها ومدى فخامة السيارة الجديدة والسعادة التي سيكون بها وأخيراً.. نجحت الخطة. نطق والده بكلمات قليلة:  .. سأبيعها من أجلك .
حمل الوالد أوراق الملكية وقاد سيارته للمرة الأخيرة.. ولأول مرة يركبها  وليد وهو سعيد، ولم لا وهو سيشهد بيعها بعد قليل.
طوال الطريق والأب صامت حزين، تكاد الدمعة تفر من عينيه..لم يره وليد طوال عمره حزيناً هكذا.. فتسآءل في سره : ألهذه الدرجة يحبها أبى  ..لا.. ألهذه الدرجة يحبني أنا؟  إنه سيفرط فيها من أجلي . كم أنا أناني . 
صاح وليد فجأة : من فضلك يا أبي قف. 
ركن الأب بسرعة على جانب الطريق والتفت لولده : ماذا..هل تشعر بشيء ؟ 
رد وليد :آسف ..أردت فقط أن أقول .. لست مضطراً لبيع السيارة.
 تعجب الأب وقال : ألا تريد أن تتخلص منها وتحقق حلمك بركوب سيارة دفع رباعى؟
 قال وليد بثقة : حلمي سأحققه أنا عندما أكبر.. سأشتري العربة من عملي وكسب يدى. 
 سأل الأب مندهشاً : وسخرية أصحابك! ماذا ستقول لهم؟
رد وليد : إنهم ليسوا أصحابي.. لو كانوا أصحابي ما سخروا منى. سأخبرهم أنها تحفة وأن الزمن له ثمن والأشياء القديمة لها قيمة. ولكن.. ليتنا نصلحها ونكمم صوتها . ضحك الأب واحتضن ولده وعادت بهما السيارة  تزحف إلى المنزل .