Nour Heroes
سوق البحر

قصة: هجرة الصاوي

رسوم: شيرين العشري

 

هناك في أعماق البحر .. حيث الأسماك العملاقة تسبح بحرية ..وأفراس البحر تنعم بالخصوصية.. كان يزحف على رمال القاع  كائن صغير دؤوب، يعرف طريقه جيداً. 
كان حلزون صغير يزحف بهمة وهو يهمس لنفسه مشجعاً: سأصل بإذن الله ..بقي يوم واحد وينتهي السوق،  ولا بد أن أشتري ما وعدتكم به يا أطفالي. 
مرت بجانبه نجمة البحر، فأثارت الرمال بأقدامها الخمسة، وطرحته جانباً قائلة: ابتعد عن طريقي يا أبطأ المخلوقات.
اعتدل الحلزون، وقال بثقة: تفضلي.. ولكن تذكري الأقوى منك.
مضت النجمة لحالها، وعاد الحلزون يزحف بهمة أكبر. كان يقابل في طريقه العائدين من السوق وهم فرحين بما اشتروه .. فهذه أنثى الأخطبوط تتزين بعقد ثمين خرج من حطام سفينة غارقة، وذاك الدولفين سعيد بقبعة القبطان على رأسه! 
فالسوق مليء بما يبتلعه البحر من العالم الأعلى .. وبما يسقط من البشر في أحضان القاع. تجد فيه عملات نادرة ذهبية وفضية .. كنوز وحلي ..أشياء البحارة، من خرائط، وإسطرلاب، أدوات مائدة، أو بوصلة .. وأيضاً الشيء الذي يتمنى الحلزون شراءه. 
فجأة .. علا صوت دبيب قوي، دس الحلزون رأسه في قوقعته بسرعة، واختبأ في آخرها، حتى مرت سرطانات البحر من فوقه ولم تؤذه. أطل بقرنيه من فوهة القوقعة، وتابعها وهي تسير في كتيبة منتظمة نحو السوق، تمنى من قلبه أن يلحق بها .. ولكن هيهات! فهو يزحف ببطء، ويجر خلفه بيتاً ثقيلاً يوفر له نعمة الأمان. بعد لحظات تخيل أنه يسمع آهات مكتومة ..أرهف السمع؛ فوجد تلك الآهات تصدر من بين الأعشاب القريبة.
غيَّر الحلزون من اتجاهه وهو يقول: لا بأس .. ربما يحتاج أحد للمساعدة. وبالفعل..وجد نجمة البحر التي قابلته مقلوبة على ظهرها وملطخة بالحبر!
 صاح الحلزون يخمن ما حدث: ما بك؟ هل صادفت الحبار في طريقك ؟
 ردت النجمة بأسى: وهل عرفتها وحدك؟ نعم. لم ألحظه.. نفث قنبلته في وجهي ثم جرى، ولم أر شيئاً بعدها! هل جئت تشمت بي؟ 
قال الحلزون : أنا أشمت! أعوذ بالله .. بل جئت لأقدم أية مساعدة. انتظري ..سأصعد على ساق هذه النبتة فتميل إليك وتقترب من أذرعك، تعلقي بها وساعدي نفسك.
أخذ الحلزون يزحف على ساق النبتة حتى مالت ناحية النجمة؛ فأمسكتها بأطراف أقدامها، وعادت لوضعها الطبيعي.. ثم راحت تنظف جسمها وتفركه في التربة. لم تصدق نجمة البحر معروف الحلزون، وقالت له: أشكرك أيها الحلزون الطيب .. لقد أنقذت حياتي. كيف أرد لك معروفك؟
 أجابها وهو ينزل من على ساق النبات: ادعِ لي أن ألحق بالسوق قبل أن ينتهي. 
صاحت النجمة: ما رأيك أن أحملك على رأسي لتلحق به؟ فرح الحلزون ولم يمانع.. وسارا معاً . كانت النجمة تلف بحركة دائرية سببت له الدوار..لكنه تحمل. فالهدف يستحق، ولا بد أن يشتري ما وعد به أطفاله! 
وفي الطريق كم كانت سعادة الحلزون عندما رأى سرطانات البحر تمر من جانبه ..لقد لحقها. وأخيراً لاح السوق من بعيد، كان الزحام قد انفض، والبيع أوشك على الانتهاء، الكل يلملم أشياءه التي كان يعرضها. 
صاح الحلزون يرجو نجمة البحر: اذهبي لذاك الأخطبوط بسرعة.
كان الأخطبوط يهم بالانصراف، وهو يمسك بأحد أذرعه الثمانية شيئاً طويلاً صدئاً. فقال له الحلزون: سيدي .. هل تبيعني ما معك؟
التفت الأخطبوط، وقال متشككاً فيما سمع: وهل لديك شيئاً تقايضني به؟!
وهنا أسرع الحلزون ودخل في قوقعته لثوان .. ثم خرج وهو يحمل لؤلؤة براقة لا مثيل لها. فتح الأخطبوط فمه من الدهشة، وألقى ما معه بلا تردد، فتدحرج أمام نجمة البحر، وخطف اللؤلؤة وانصرف مبهوراً بها.
 تعجبت النجمة من سذاجة الحلزون.. كيف يضحي بتلك اللؤلؤة النادرة مقابل هذا الأنبوب الصدئ! أتمت النجمة جميلها وأوصلت الحلزون مع هديته إلى البيت، وما إن لمح صغاره هدية أبيهم حتى التفوا حولها فرحين .. وارتفعت صيحاتهم بالدهشة والإعجاب، فلم تتمالك نجمة البحر نفسها ونطقت بالسؤال الذي يلح عليها طوال طريق العودة : كيف تبدل لؤلؤة نادرة بهذا الشيء الصدئ؟!
ضحك الحلزون قائلاً: المعرفة لا تقدر بثمن ..تعالي وتأملي. 
اقتربت النجمة من فوهة الأنبوب، وصاحت هي الأخرى: يا للروعة! إنه يكشف قاع المحيط! حرَّكته إلى أعلى.. فرأت السماء لأول مرة ..همست مندهشة: إن بها نجومًا تشبهني .. سبحان الله ما أجملها! حقاً المعرفة لا تقدر بثمن.
قال الحلزون وهو يصافحها: والصداقة أيضاً . غادرت النجمة وتركتهم فرحين بالمنظار الجديد.