Nour Heroes
جدي يتذكر

قصة: صبري حنا
رسم: منصور الشريف

 

فجأة تذكر جَدي حكاية؛ رواها له جَده منذ أكثر من ستين عاماً مضت؛ وكنتُ أجلسُ بجواره كما أوصتني أمي، وقد أوشكتُ على الانتهاء من عمل واجبي المدرسي.  
«العلمُ يا شيماء ينقذُ صاحبه من الغباء»، هكذا بدأ جَدي حديثه معي، وهو يشير لي أن أناوله كوباً من الماء.
قلتُ وأنا أداعب شعيرات بيضاء تتدلى فوق جبينه من تحت طاقيته الصوفية:
- هل اشتقت إلى الماضي يا جَدي، أم تذكرتَ شيئاً تـُريد أن تخبرني به؟
قال جَدي وهو يضحك ببراءة مثل الأطفال :
- تذكرتُ حكاية رواها لي جَدي يا شيماء عندما كنتُ في مثل عُمرك .. 
قالت (شيماء) ضاحكة :
- إذن هي حكاية أثرية يا جَدي .. كم أشتاق لسماعها
وبدأ الجَد الحنون؛ صاحب التسعين ربيعاً، يسترجع ذكرياته مع تلك الحكاية وهو يداعبَ حبات مسبحته التي لم تفارق أصابعه منذ عشرات السنين.
«في زمانٍ بعيد؛ قبل ظهور الإسلام، كان رجل ثري يعيش في واحة خضراء على أطراف الصحراء، تبعد عن المدينة مسافة طويلة وسفر أيام، وكان يشتهر بالتجارة وتربية الإبل وأنواع كثيرة من الماشية والطيور، وكانت سمعته طيبة، وله ابن وحيد يعشق العلم والترحال..
ذات يومٍ طلب الابن من أبيه أن يترك الواحة ويسافر إلى المدينة، بحثاً عن علمٍ جديدٍ ينتفع به ويفيد به أهله وأبناء عشيرته، ووافق الأب وسافر الابن وغاب سنوات .. 
في تلك الأثناء مرض الأب مرضاً شديداً وشعر بقرب نهايته، فكرّ في أمر ثروته وابنه الغائب، وهداه تفكيره إلى أن يكتب كل ثروته وأملاكه لعبدٍ كان يمتلكه ويعمل عنده منذ كان صبياً، وغضب الناس من فعلته وراحوا يتساءلون: «كيف يَحرم ابنه من ثروته وأمواله؟»، ومات الأب، وبعد عِدة أشهر عاد الابن إلى الواحة، وعرف ما كان من أبيه، وسمع من أهل الواحة كيف أن العبدَ اشترى عدداً من العبيد، وراح يضربهم ويعاملهم بقسوةٍ وصار تاجراً مكروهاً.
طلب الابن أن يقيم مجلساً، يضم كِبار العوائل ومن يرغب من أبناء الواحة، وفي حضور العبد المغرور. وفي المجلس وقف الابن أمام الحضور وسأل العبدِ : «أنت عبدٌ كان يمتلكك أبي رحمة الله عليه، فهل أعتقك أبي قبل وفاته؟» فأجاب العبدُ بالنفي. هنا قال الابن بهدوءٍ: إذن العبدُ وما يملك ملكاً لسيده، أبي كان يعلم أنني بعلمي سوف أسترد أملاكي، ولهذا كتبها لك لكي تحافظ عليها لحين عودتي. وأعاد الابن بحكمته كامل ثروته، وأعتق العبد وسط تأييد وتصفيق الجميع، وصفقت (شيماء) بقوة للجد الواعي، وراحت تشيد بفخرٍ بذاكرته القوية.